العيني
68
عمدة القاري
ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره : أخرجه البخاري أيضا في الجنائز عن بندار عن غندر وفي الأحكام عن إسحاق ابن منصور . وأخرجه مسلم في الجنائز عن بندار عن غندر وعن أبي موسى وعن عقبة بن مكرم وعن أحمد بن إبراهيم وزهير بن حرب . وأخرجه أبو داود فيه عن أبي موسى محمد بن المثنى . وأخرجه الترمذي فيه عن بندار به مختصرا . وأخرجه النسائي فيه عن عمرو بن علي عن غندر به وفي اليوم والليلة عن عمرو بن علي عن أبي داود عنه به . ذكر معناه : قوله : ( بامرأة ) ، لم يوقف على اسمها . قوله : ( عند قبر ) ، ولفظ مسلم : ( أتى على امرأة تبكي على صبي لها فقال لها : اتقي الله واصبري ، فقالت : وما تبالي ؟ مصيبتي . فلما ذهب قيل لها : إنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأخذها مثل الموت فأتت بابه فلم تجد على بابه بوابين ، فقالت : يا رسول الله لم أعرفك ، فقال : إنما الصبر عند أول صدمة . أو قال : عند أول الصدمة ) . وفي رواية عبد الرزاق : ( قد أصيبت بولدها ) . قوله : اتقي الله ) قال القرطبي : الظاهر أنها كانت تنوح وهي تبكي ، فلهذا أمرها بالتقوى ، وهو الخوف من الله تعالى ، وقال الطيبي : ( اتقي الله ) توطئة لقوله : ( واصبري ) كأنه قال لها : خافي غضب الله إن لم تصبري ولا تجزعي ليحصل لك الثواب ، وفي رواية أبي نعيم في ( المستخرج ) : ( فقال : يا أمة الله اتقي الله ) . قوله : ( إليك ) من أسماء الأفعال ومعناها : تنح عني وأبعد . قوله : ( فإنك لم تصب ) ، على صيغة المجهول ، وفي لفظ للبخاري في الأحكام من وجه آخر عن شعبة : ( فإنك خلو من مصيبتي ) ، والخلو بكسر الخاء المعجمة وسكون اللام . وفي لفظ لمسلم : ( ما تبالي مصيبتي ) . وفي رواية أبي يعلى الموصلي من حديث أبي هريرة أنها قالت : ( يا عبد الله أنا الحراء الثكلاء ، ولو كنت مصابا عذرتني ) ، وفي بعض النسخ بعد قوله : ( فإنك لم تصب بمصيبتي ، ولم تعرفه ) . الواو فيه للحال أي : قالت للنبي صلى الله عليه وسلم هذا القول والحال أنها لم تعرف النبي صلى الله عليه وسلم إذ لو عرفته لما خاطبته بهذا الخطاب . قوله : ( فقيل لها ) أي : للمرأة المذكورة ، فكأن القائل لها واحد ممن كان هناك ، وفي رواية الأحكام : ( فمر بها رجل فقال لها : إنه رسول الله ) . وفي رواية أبي يعلى : ( قال : فهل تعرفينه ؟ قالت : لا ) وفي رواية الطبراني في ( الأوسط ) من طريق عطية عن أنس أن الذي سألها هو الفضل بن عباس ، وقد مر في رواية مسلم : ( فأخذها مثل الموت ) أي : من شدة الكرب الذي أصابها لما عرفت أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم خجلاً منه ومهابة . قوله : ( فلم تجد عنده ) أي : لم تجد هذه المرأة عند النبي صلى الله عليه وسلم ( بوابين ) يمنعون الناس ، وفي رواية الأحكام : ( بوابا ) بالإفراد . قال الطيبي : فائدة هذه الجملة أنه لما قيل لها : إنه النبي صلى الله عليه وسلم استشعرت خوفا وهيبة في نفسها ، فتصورت أنه مثل الملوك له صاحب أو بواب يمنع الناس من الوصول إليه ، فوجدت الأمر بخلاف ما تصورته . قوله : ( فقالت : لم أعرفك ) ، وفي حديث أبي هريرة ( فقالت : والله ما عرفتك ) . قوله : ( إنما الصبر ) أي : إنما الصبر الكامل ، ليصح معنى الحصر على الصدمة الأولى ، وفي رواية الأحكام : ( عند أول صدمة ) . وأصل الصدم لغة : الضرب في الشيء الصلب ، ثم استعير لكل أمر مكروه ، وحاصل المعنى : أن الصبر الذي يكون عند الصدمة الأولى هو الذي يكون صبرا على الحقيقة ، وأما السكون بعد فوات المصيبة ربما لا يكون صبرا ، بل قد يكون سلواه ، كما يقع لكثير من أهل المصائب ، بخلاف أول وقوع المصيبة ، فإنه يصدم القلب بغتة فلا يكون السكون عند ذلك ، والرضى بالمقدور إلاَّ صبرا على الحقيقة . وقال الخطابي : المعنى أن الصبر الذي يحمد عليه صاحبه ما كان عند مفاجأة المصيبة ، بخلاف ما بعد ذلك ، فإنه على الأيام يسلو . وقيل : إن المرء لا يؤجر على المصيبة لأنها ليست من صنعه ، وإنما يؤجر على حسن نيته وجميل صبره ، وقال ابن بطال : أراد أن لا يجتمع عليها مصيبة الهلاك وفقد الأجر . ذكر ما يستفاد منه : فيه : ما كان عليه ، صلى الله عليه وسلم ، من التواضع والرفق بالجاهل ، وترك مؤاخذة المصاب وقبول اعتذاره . وفيه : إن الحاكم لا ينبغي له أن يتخذ من يحجبه عن حوائج الناس . وفيه : أن من أمر بمعروف ينبغي له أن يقبل وإن لم يعرف الآمر . وفيه : أن الجزع من المنهيات لأمره ، صلى الله عليه وسلم ، لها بالتقوى مقرونا بالصبر . وفيه : الترغيب في احتمال الأذى عند بذل النصيحة ونشر الموعظة . وفيه : أن المواجهة بالخطاب إذا لم تصادف المنوي لا أثر لها . وبنى عليه بعضهم ما إذا قال : يا هند أنت طالق ، فصادف عمرة أن عمرة لا تطلق . وفيه : جواز زيارة القبور مطلقا ، سواء كان الزائر رجلاً أو امرأة ، وسواء كان المزور مسلما أو كافرا لعدم الفصل في ذلك . وقال النووي : وبالجواز قطع الجمهور ، وقال الماوردي : لا يجوز زيارة قبر الكافر ، مستدلاً بقوله تعالى : ولا تقم على قبره ) * ( التوبة : 48 ) . وهذا غلط . وفي الاستدلال